
بالأمس القريب شهدت الساحة القضائية فى مصر ممثلة فى محاكم القضاء الإدارى قبولاً لإستشكال تقدم به ناشطاً من المجتمع المدنى لوضع حكم تحديد حد أدنى للأجور حيز التنفيذ ... من العدالة بمكان فى أى مجتمع إنسانى أن يتم تحديد حد أدنى للمعيشة الإنسانية لحماية المجتمع من تحول أفراده إلى وحوش ضارية وإنعدام الجوانب الإنسانية فى الشخصية ، وهو ما ظهرت بوادره فى البناء الأساسى للأغلب الأعم من أبناء المحروسة ... فى ظل إرتفاع الأسعار الفاحش ودخولنا عصر الرأسمالية الحرة كان لزاماً على الدولة الوقوف كرقيب أو حد فاصل بين الحرية المطلقة لأصحاب رأس المال وحقوق من يعمل لديهم ، لكن مصر - دون غيرها من البلاد الرأسمالية أو تلك التى تخطو خطواتها فى إتجاه التحول لإقتصاديات رأس المال – الوحيدة التى أولكت إدارة البلاد لقياصرة رأس المال مما أدى إلى ظلم مفرط للعاملين بقطاع الدولة الذين تعامل معهم أصحاب رؤوس الأموال المديرين للقطاع العام حالياً بمنطق مصاصى الدماء المتبع فى منشآتهم الخاصة وربما بمنطق أشد مؤسس على ضرورة أن يكون موظف الدولة فقيراً دائماً ... ولا أعلم لماذا هذا التعنت فى وجه تحديد حد أدنى للأجور من جانب الحكومة ؛ ولو نظرنا بطرف أعيننا إلى هياكل الأجور بالمنشآت الحكومية إبتداء من مراكز صنع القرار نزولاً بأقل الموظفين درجة فى الهيكل الوظيفى لحدث أمران لا ثالث لهما إما أن تصيبنا الدهشة أو العمى فلنندهش إذن أفضل من العمى ؛ نندهش من تفاوت رهييب فى مستويات الأجور تنازلياً فى الهيكل الوظفيى والعجب العجاب هو التفاوت الرهيب أفقياً داخل نفس المستوى الوظيفى تجد وكيلاً لوزارة يحصل على مبلغ طائل ربما قارب أو جاوز المليون جنيه فى حين أن وكيلاً لنفس الوزارة أو وزارة أخرى يحصل على بضعة آلاف من الجنيهات ربما لا يتجاوز الخمس .... بأى عقل ندرك وبأى عين نرى فى وضع كهذا وفى ظل هيكل أجور مهترئ وشاذ كهذا وفى ظل أوضاع السوق المتقلبة دائماً فى صالح رجال الأعمال الرأسماليين المديرين لشئون الدولة يصبح من الطبيعى والعادل وجود حد أدنى للأجور يضمن كرامة الإنسان ويحترم آدميته .... من ثم على الدولة تفعيل الحكم ووضعه نصب عينيها فمن البصيرة أن تدرك ما يستقبلك فالبديل شديد الخطورة على مستقبل الدولة وعلى أخلاقيات المجتمع فالإستمرار فى الوضع القائم مؤداه إلى الفساد والتناحر وتدنى مستويات التربية وطغيان البعد المادى على لغة الحوار وتلك طامة كبرى أن يصبح الحلم والمبتغى جنيهاً ورغيفا... للحكومة الحق فى إتخاذ الوسائل التى تحمى بها المجتمع المحكوم من ثم لابد من آليات لرفع مستوى العاملين بالدولة والمجتمع من بعده لابد للحكومة أن تراجع سياساتها وتقوم بدورها فى إرساء قواعد إعادة توزيع عادل للدخول وتوفير المناخ الإستثمارى الإنتاجى المفتقد بإنشاء الوحدات الإنتاجية ودعم المشروعات الصغيرة بكل الوسائل وممارستها لدورها الفعلى بالفصل بين رأس المال وإدارة الدولة ففى إجتماعهما بلاء عظيم لا يعلم عواقبه إلا الله والمصريين الغلابة .



